محمد مهري كركوكي

28

رحلة مصر والسودان

وأنت لم تدخل مصر فارجع عنها واما إذا أدركك وقد دخلتها أو شيئا من ارضها فامض واعلم اني ممدك » فالتفت عمرو إلى من حوله قائلا « اين نحن يا قوم « فقالوا في العريش » فقال « وهل هي من ارض مصر أم الشام » فأجابوا انها من مصر فقال « هلم بنا نعبر على خيرة اللّه تعالى » . وهكذا دخل عمرو بن العاص ارض مصر في أربعة آلاف رجل في السنة الثامنة عشرة للهجرة وجعلوا يخترقونها جنوبا في قسمها الشرقي وعددهم يزيد كل يوم ممن كان ينضم إليهم من القبائل البدوية التي كانوا يمرون بها في طريقهم فكان أول موضع قوتل فيه الفرما قاتلت الروم قتالا شديدا نحوا من شهر ثم فتح اللّه على المسلمين وكان عبد اللّه بن سعد على ميمنة عمرو منذ توجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه . ثم تقدم عمرو وهو لا يقاتل الا بالامر الخفيف حتى اتي بلبيس فقلتلوه فيها نحوا من شهر حتى فتح اللّه عليه وكان في بلبيس ارمانوسة بنت المقوقس حاكم من قبل الروم فأحب عمرو ملاطقة المقوقس استجلابا لوده فسير اليه ابنته مكرمة في جميع مالها فسر أبوها بقدومها كثيرا ثم سار عمرو وما زال حتى مرّ بجانب الجبل المقطم فاشرف على حصن بابل أو بابليون القائم على ضفة النيل الشرقية مقابل الأهرام العظيمة . وكان حصنا منيعا رفيع العماد « 1 » راسخ إلى شرقيه جبل المقطم وعلى وجهه تجعدات تدل على قديم عهده وبين الجبل والحصن بقعة من الأرض لا شيء من العمارة فيها الا بعض الأديرة والكنائس . ثم نظر إلى الغرب فإذا بالنيل منحدر امام ذلك الحصن فيزيده مناعة وإلى ما وراء النيل ارض قد كستها الطبيعة جمالها حلة خضراء بين أعشاب وأشجار خصبة وهي جزيرة الروضة وكانت تعرف بجزيرة مصر والماء محيط بها مدار السنة . ويقطع النيل بين الحصن وهذه الجزيرة جسر من خشب وكذلك فيما بينها والجيزة يمر عليهما الناس والدواب من البر الشرقي إلى الجزيرة ومن هذه إلى البر الغربي . وكان هذان الجسران مؤلفين من مراكب بعضها بحذاء بعض وموثقة بسلاسل من حديد وفوق المراكب أخشاب ممتدة فوقها تراب وكان عرض الجسر الواحد ثلاث قصبات وتطلع عمرو إلى ما وراء الجزيرة فإذا بالاهرام العظيمة راسخة كالجبال وقد أثقلت

--> ( 1 ) ويسميه بعض مؤرخي العرب حصن باب اليون أو باب الاون وللمؤرخين فيه أقوال أظهرها انه حصن بناه الفرس عند تملمكهم مصر ودعوه باسم عاصمته بابل لأنها كانت في حوزتهم